الشيخ محمد آصف المحسني
355
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
لطيفة ، بل هي كثيفة ، فلا يصحّ أن يراها المحتضر وحده ، ولا يراها غيره ؛ ضرورة تساوي المحتضر وغيره في رؤية الأجسام الكثيفة . وهذا بخلاف الملائكة حيث إنّها لطيفة فيججوز التفريق بين المحتضر وغيره في الرؤية مزيّف بأنّ درك الجسم الكثيف القريب لكلّ أحد أمر عادي لا عقلي ، فيمكن أن يجعل الله حجاباً بينهم وبين الحاضرين فلا يراهم غير المحتضر ، كما فعل ذلك بحق النبيّ ( ص ) على ما في القرآن المجيد ، وكما أبطل العادة الجارية بعدم رؤية الأجسام اللطيفة ، على ما اعترف هو ( رحمه الله ) من جواز رؤية الملائكة . فخرق العاديات ليس من الممتنعات . وعليه فلا داعي إلى تأويل الروايات على أنّ الرؤية لا يستلزم الحضور بوجه كما يظهر من الروايات أيضاً . ثمّ إنّه ( قدس سره ) من أين استفاد حضور الأئمة بأجسامهم الكثيفة حتّى أورد هذا الإشكال ؟ والروايات ساكتة عن هذه الجهة ، بل لعلّهم يحضرون بالأجسام اللطيفة ، وهذا الاحتمال قريب جدّاً . فارواحهم الطاهرة في القوالب البرزخية تحضر عند المحتضرين ، فتكون حالهم كحال الملائكة يراه المحتضر دون غيره بإذن الله تعالى . وأمّا ما ذكره السيّد المرتضى رضي الله عنه فهو وإن كان أحسن وأدق ممّا ذكره أستاذه المفيد ( قدس سره ) إلّا أنّه مبنيّعلى وقوع موت خصين أو أشخاص في آن واحد في أمكنة متعدّدة بعيدة ، فحينئذٍ يشكل بأنّ الجسم الواحد لا يمكن وجوده في الأمكنة المتعدّدة في آن واحد ، إلّا أنه غير ثابت ، ومجرّد الإمكان لا يضرّنا ؛ لأنّه لا يثبت الوقوع ، فنقول : يحتمل أنّ الله تعالى جعل قبض الأرواح مترتباً ولو بتأخير قبض روح عن قبض روح آخر بدقيقة ، فيمكن حينئذ حضور الأئمة ( عليهم السلام ) عند جميع المحتضرين في مشارق الأرض ومغاربها ، فإنّ الله قادر على أن يعطي للأئمة سرعة تقطع المسافة المذكورة بأقل من ثانية . وتصديق هذا الاحتمال في مثل أعصارنا هيّن جدّاً بعد ما نرى سرعة بعض الطائرات والأقمار المصنوعية بنحو مدهش . وقد ذكروا أنّ سرعة النور في كلّ ثانية تقرب من ثلاثمئة الف كيلومتر والله سبحانه قادر على إعطاء مثلها أو أكثر منها للإمام ( ع ) وأمّا ما عن بعض الرياضيين الكبار من أنّ كلّ جسم إذا تحرّك بهذا الحدّ من الحركة السريعة ينقلب نوراً فهو على تقدير صحّته لا يضرّنا ، فإنّا لا نقول بحضور النبيّ والإمام ( ع ) بالجسم الكثيف ، بل بالجسم اللطيف النوري . وقد تقرّر أنّ النور أيضاً من الأجسام ، فافهم المقام لكي لا تحتاج إلى ما قيل في تأويل الأخبار من أنّه يمكن أن يرتسم صورهم في الحسّ المشترك للمحتضر . أو من أنّه يمكن أن يخلق الله لكلّ منهم أمثلة يكلّمون المحتضرين من قبلهم ( عليهم السلام ) فإنّ أمثال هذه التأويلات الباردة في حكم إسقاط